الشيخ المحمودي

10

نهج السعادة في مستدرك نهج البلاغة

لعظمته ، ولا تذرعه المقادير لجلاله ، ولا تقطعه المقاييس لكبريائه . ممتنع عن الأوهام أن تكتنهه ، وعن الأفهام أن تستغرقه ، وعن الأذهان أن تمثّله . قد يئست عن استنباط الإحاطة به طوامح العقول « 1 » ، ونضبت عن الإشارة إليه بالإكتناه بحار العلوم « 2 » ، ورجعت بالصّغر عن السّموّ إلى وصف قدرته لطائف الخصوم « 3 » . واحد لا من عدد ، ودائم لا بأمد ، وقائم لا بعمد . ليس بجنس فتعادله الأجناس ، ولا بشبح فتضارعه الأشباح ، ولا كالأشياء فتقع عليه الصّفات . قد ضلّت العقول في أمواج تيّار إدراكه ، وتحيّرت الأوهام عن إحاطة ذكر أزليّته ، وحصرت الأفهام عن استشعار وصف قدرته ، وغرقت الأذهان في لجج بحار أفلاك ملكوته . مقتدر بالآلاء ، وممتنع بالكبرياء ، ومتملّك على الأشياء ، فلا دهر يخلقه ، ولا وصف يحيط به .

--> ( 1 ) « طوامح » جمع طامح ، من قولهم : طمح - ( من باب منع ) طماحا وطموحا - كفلسا ورماحا وفلوسا - بصره إليه ، أي ارتفع ونظر إليه شديدا ، وطمح ببصره إليه : أي استشرف له . أي إن الأبصار المرتفعة من العقول قد عجزت عن الإحاطة به تبارك وتعالى . ( 2 ) يقال : نضب ( من باب ضرب ونصر ) نضبا ونضوبا - كفلسا وفلوسا - الماء : نفد . ونضب الماء : أي غار في الأرض . ونضب عنه البحر : أي نزح ماؤه ونشف ، أي إن بحار العلوم قد جفّت ونفد ماؤها ولم يكف للإشارة إليه تعالى . ( 3 ) كذا في النسخة ، ولعله بمعنى الحجج والبراهين ، من اخصمه : لقنه حجته على خصمه .